صديق الحسيني القنوجي البخاري

228

فتح البيان في مقاصد القرآن

وقد اشتملت هذه الآية على سبعة أمور كلها مثنى ، طهارتان أصل وبدل والأصل اثنان مستوعب وغير مستوعب ، وغير المستوعب باعتبار الفعل غسل ومسح ، وباعتبار المحل محدود وغير محدود ، وإن آلتيهما مائع جامد ، وموجبهما حدث أصغر أو أكبر ، وأن المبيح للعدول إلى البدل مرض أو سفر ، وأن الموعود عليها تطهير الذنوب وإتمام النعمة قاله البيضاوي وذكره أبو السعود . قال الخفاجي : الأصل الماء والبدل التراب والمستوعب الغسل وغيره الوضوء والمحدود بقوله : إِلَى الْمَرافِقِ و إِلَى الْكَعْبَيْنِ وغيره ما سواه وهذا ظاهر . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 7 إلى 8 ] وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ( 7 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ( 8 ) وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ يعني ما أنعم به عليكم من النعم كلها وقيل هي الإسلام وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ الميثاق العهد قيل المراد به هنا ما أخذه على بني آدم كما قال : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ [ الأعراف : 172 ] الآية قال مجاهد وغيره ونحن وإن لم نذكره فقد أخبرنا اللّه به ، وقيل هو خطاب لليهود والعهد ما أخذه عليهم في التوراة . وذهب جمهور المفسرين من السلف فمن بعدهم إلى أنه العهد الذي أخذه النبي صلى اللّه عليه وسلم ليلة العقبة عليهم وهو السمع والطاعة في المنشط والمكره ، وأضافه تعالى إلى نفسه لأنه عن أمره وإذنه كمال قال : إنما يبايعون اللّه . إِذْ قُلْتُمْ للنبي صلى اللّه عليه وسلم حين بايعتموه سَمِعْنا وَأَطَعْنا أي وقت قولكم هذا القول وَاتَّقُوا اللَّهَ فيما أخذه عليكم من الميثاق فلا تنقضوه إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ وهي ما تخفيه الصدور لكونها مختصة بها لا يعلمها أحد ولهذا أطلق عليها ذات التي بمعنى الصاحب ، وإذا كان سبحانه عالما بها فكيف بما كان ظاهرا جليا . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ قد تقدم تفسيرها في النساء وصيغة المبالغة في قوامين تفيد أنهم مأمورون بأن يقوموا بها أتم قيام لِلَّهِ أي لأجله تعظيما لأمره وطمعا في ثوابه شُهَداءَ بِالْقِسْطِ أي العدل . وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أي لا يحملنكم بغض قوم أو يكسبنكم وهما متقاربان ، وقيل الخطاب مختص بقريش لأنها نزلت فيهم وعليها يجري القاضي كالكشاف وغيرهما على أن الخطاب عام وهو الحق لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، قال عبد اللّه بن كثير نزلت في يهود خيبر ذهب إليهم رسول اللّه